محمد المختار ولد أباه

81

تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب

والشعر والغريب ، ومنها ما سمعه من عيسى بن عمر من كتاباته النحوية التي يقال إنها بلغت سبعين ، وأثنى الخليل نفسه على اثنين منها ، وهما « الجامع » و « الإكمال » ، ثم سمع من فصحاء العرب في بوادي نجد وتهامة والحجاز ، وقارن بين ما سمع وما رأى من جهود سابقيه في بناء الصرح النحوي ، كل هذا جعله يخلص إلى أن اللغة صنعت صنعا منطقيا ، مثل له بدار محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام . وكل ما وضع فيها من رسوم وحدود وأبواب ، جاء لعلل قامت في عقول العرب وإن لم تنقل عنهم لأنهم نطقوا على سجيتهم وطباعهم « 1 » . فاستطاع الخليل في الأخير ، أن يستنبط مقاييس التركيب العام للكلام العملي ، وأن يفحص مادته التي صيغ منها وهي الحروف ، ولبناته التي شيد منها وهي الكلمات ، ونسقه المميز وهو التركيب الإعرابي . مرتكزا في تحليله على الأساليب المطردة التي تعتبر نموذجا مختارا للاستعمال الصحيح ، وحكم بالشذوذ على ما سواه ، مبرزا العلاقة بين تغير صور التراكيب اللفظية وبين معنى الكلام . وفيما يلي نماذج مقتضبة حول أعماله على مستويات الحروف ، والمقاطع والكلمات والجمل . أ ) اعتبار الحروف : عندما قرر الخليل تصنيف كتاب العين لاستيعاب مفردات اللغة العربية اعتمد على اعداد حروف الكلمة ، مع تبديل مواضع حروفها حسب الحالات الممكنة حسابيا ، وسميت هذه العملية بالاشتقاق الكبير ، مثل علم ، عمل ، معل ، ملع ، لعم ، لمع ، ثم بين المستعمل والمهمل من هذه المفردات وابتدأ بحرف العين لأسباب تعود إلى طبيعة هذه الحرف من حيث مخرجه وصفاته ، ولهذا العمل صلة واضحة بالتفكير في دراسة مخارج الحروف كلها ، واستظهار صفاتها ، وهكذا لأول مرة ، ضبطت مخارج الحروف وعرف منها ما هو حلقي ، ولهوي ،

--> ( 1 ) الزجاجي : الإيضاح ، ص 65 .